الجنيد البغدادي

185

رسائل الجنيد

الأمصار والفقهاء بالآثار الموصوفين بالكتابة والدراسة والنقل والرواية فغير داخلين في ذلك ولا عارفين بشيء منه ولا يوصفون بشيء من ذلك إلا من ساعده التوفيق وحاداه أيادي الحق إلى المنازلة فاستعمل الرياضة ولزم المجاهدة وعمل في بذل المهجة وذلك بشرائط مرسومة في دواوين علمائنا من ترتيب الأحوال من أوصاف الزاهدين والخائفين والشاهدين والصامتين الرائضين لنفوسهم من المجاهدين والسائسين لهمومهم من المراقبين والمفتقرين بالفقر من الهائمين والتاركين للشهوات من المريدين والمفارقين لأوطانهم من المتوكلين والقائمين في بلائه من الصابرين إلى إحكامه من الراضين والباذلين مهجتهم من المحيين والباكين في سواد الليل من الخائفين المجردين لتوحيده من العارفين فأما غير هؤلاء فليس لهم في السكرة مقيل ولا لهم إلى الإفاقة سبيل إلا أن هؤلاء العلماء الظاهرين فلهم في الحق منازل جليلة ودرجات رفيعة لأن السلوك إلى الحق كثير واتساع الذاهبين إليه طويل عريض بسيط ولذلك احتيج إلى مطالعة علومنا معهم إلى إظهار الدليل وكشف الحجاج من ظاهر الشرع لصحة إيراد مقالنا وذلك مما أوجب لهم . ولطائفة من منتحلي المذهب على التقليد والناطقين من غير تحقيق فذلك لبعد الدراية وقلة الرعاية وإسقاط العناية منهم لذلك وإلا فالفاضلين من الحكماء المتأخرين من المتكلمين مثل بشر بن الحارث « 1 » وسري السقطي وذي النون المصري وحارث المحاسبي والجنيد ورويم والخراز وسمنون والنوري والجريري وابن عطاء من العارفين من العراقين وشفيق وحاتم وأبو تراب ومن مضى منهم كانت أوصافهم معروفة ومضت أحكامهم وعلومهم في إطلاق الحكمة ورمى الإشارة وإظهار النكتة وتركوا من لم يكن منهم في خوضهم يلعبون . واعلم أنى قد أقللت الحكايا في هذه المسألة لأني قد اختصرت من الإكثار والحكايات فإن عامتها تراد للاستشهاد فيطلب ظواهر الحكاية لتستقر في أوهام من تخاطب صحة ذلك ليستدل بشاهد ما يرى إلى غائب ما خوطب به من نعوت القوم المشار إليهم بهذه الأوصاف لأن ذلك إخبار عن مواجيد القوم ، عاملوا اللّه بالصدق والوفاء أيام حبوتهم فأتحفهم في الدنيا بعض أفضاله ليكشف لهم ما باداهم من حسن المعاملة وأنه شكر سعيهم ولم يخلهم أيام حبوتهم من ذلك ما روى عن ابن الزبير

--> ( 1 ) في الأصل ( الحرث )